الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
241
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
نحوا من ذلك . والمراد تشبيه ذكر اللّه بذكر آبائهم في الكثرة والتكرير وتعمير أوقات الفراغ به وليس فيه ما يؤذن بالجمع بين ذكر اللّه وذكر الآباء . وقوله : أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً أضل أو أنها للتخيير ولما كان المعطوف بها في مثل ما هنا أولى بمضمون الفعل العامل في المعطوف عليه أفادت ( أو ) معنى من التدرج إلى أعلى ، فالمقصود أن يذكروا اللّه كثيرا ، وشبه أولا بذكر آبائهم تعريضا بأنهم يشتغلون في ذلك المناسك بذكر لا ينفع وأن الأجدر بهم أن يعوضوه بذكر اللّه فهذا تعريض بإبطال ذكر الآباء بالتفاخر . ولهذا قال أبو علي الفارسي وابن جنى : إن ( أو ) في مثل هذا للإضراب الانتقالي ونفيا اشتراط تقدم نفي أو شبهه واشتراط إعادة العامل . وعليه خرج قوله تعالى : وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [ الصافات : 147 ] ، وعلى هذا فالمراد من التشبيه أولا إظهار أن اللّه حقيق بالذكر هنالك مثل آبائهم ثم بين بأن ذكر اللّه يكون أشد لأنه أحق بالذكر . و ( أشد ) لا يخلو عن أن يكون معطوفا على مصدر مقدر منصوب على أنه مفعول مطلق بعد قوله : كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ تقديره : كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ فتكون فتحة أَشَدَّ التي في آخره فتحة نصب ، فنصبه بالعطف على المصدر المحذوف الذي دل عليه قوله كَذِكْرِكُمْ والتقدير : ذكرا كذكركم آباءكم ، وعلى هذا الوجه فنصب ذِكْراً يظهر أنه تمييز لأشد ، وإذ قد كان ( أشد ) وصفا لذكر المقدر صار مآل التمييز إلى أنه تمييز الشيء بمرادفه وذلك ينافي القصد من التمييز الذي هو لإزالة الإبهام ، إلّا أن مثل ذلك يقع في الكلام الفصيح وإن كان قليلا قلة لا تنافي الفصاحة اكتفاء باختلاف صورة اللفظين المترادفين ، مع إفادة التمييز حينئذ توكيد المميز كما حكى سيبويه أنهم يقولون : هو أشح الناس رجلا ، وهما خير الناس اثنين ، وهذا ما درج عليه الزجاج في « تفسيره » ، قلت : وقريب منه استعمال تمييز ( نعم ) توكيدا في قوله جرير : تزوّد مثل زاد أبيك فينا * فنعم الزاد زاد أبيك زادا ويجوز أن يكون نصب أَشَدَّ على الحال من ( ذكر ) الموالي له وأن أصل أشد نعت له وكان نظم الكلام : أو ذكرا أشد ، فقدم النعت فصار حالا ، والداعي إلى تقديم النعت حينئذ هو الاهتمام بوصف كونه أشد ، وليتأتى إشباع حرف الفاصلة عند الوقف عليه ، وليباعد ما بين كلمات الذكر المتكررة ثلاث مرات بقدر الإمكان . أو أن يكون